اسماعيل بن محمد القونوي
94
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
وأنت خبير بأن البعض الذي أخذ من حرف الجر معنى حرفي لا يصلح كونه محكوما عليه وجعله بعضا مطلقا واسما معنى لفظ لم يذكر في النظم الجليل ولا دخل للمجرور في إفادة معنى البعض وذكر التفتازاني المجرور لتعيين الكل للبعض أو الكلي له وتأييد البيت المذكور حيث قابل لفظة منهم بما هو مبتدأ أعني لفظة بعضهم كونه تأييدا لكون اسما بمعنى البعض أولى مما ذكروه ولعل العلامة التفتازاني استخرج ذلك من القوة إلى الفعل بمثل هذا البيت ونظائره وبعضهم ذهب إلى أن مناط الفائدة الوجود يعني هذه الجماعة موجودون من الناس والبعض الآخر اختار أن يكون لإفادة الحصر بالناس أي المنافق مختص بالناس لا يوجد في الجن وأجيب تارة بأن المراد من الناس المسلمون ومعنى كونهم منهم لأن المنافقين يعاملون معاملة المسلمين والكل تكلف « 1 » لا يليق بكلام البليغ من الأنام فضلا عن كلام اللّه الملك العلام ثم نقول إن جعلت الآية هنا لإنشاء الذم وهناك لإنشاء المدح وغير ذلك مما يناسب المقام لاندفع الاشكال بالمرة وقول المصنف وطول في بيان خبثهم لا يبعد أن يكون إشارة إلى ذلك وقد نقل عن صاحب الكشف أنه وقد صرح بما فيه من نكتة المدح فلا يكون القصد في ذلك المثال وهو قوله تعالى : مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ [ الأحزاب : 23 ] الآية إلى مجرد الإخبار فيمكن أن يقال هنا مثل ما يقال هناك . تراعى المطابقة بين كلمات المضربين فإذا قلت عبدا مملوكا والحر الذي رزقناه ذهبت المطابقة وفاتت الطلاوة فلا يذهب إليه إلا الكز الجافي والغليظ الجاشي وأما الجواب عن قول من قال بينهم وبين المنافقين تناف فهو ظاهر مما ذكره صاحب الكشاف في الجواب عن سؤاله بقوله كيف تجعلونهم بعض أولئك والمنافقون غير المختوم على قلوبهم لأن هذا السؤال ورد على قوله ويجوز أن يكون للعهد والإشارة إلى الذين كفروا المار ذكرهم كأنه قيل ومن هؤلاء من يقول والمار ذكرهم على ما سبق على تقدير كون التعريف في أن الذين كفروا للعهد أبو لهب وأبو جهل والوليد بن المغيرة وأقرانهم فإذا جعل التعريف في الناس للمعهودين وجعل من يقول بعضا منهم لزم أن يكونوا في حكمهم في كونهم مختوما على قلوبهم وليس كذلك لما ذكر في قوله افتتح سبحانه بذكر المخلصين ثم ثنى بذكر الذين محضوا الكفر ظاهرا وباطنا وثلث بالذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم وإليه الإشارة بقوله والمنافقون غير المختوم على قلوبهم وأجاب بأن الكفر جمع الفريقين معا الخ يعني كون هؤلاء مخصوصين بحكم النفاق لا يخرجهم من جنس
--> ( 1 ) أما الأول فلأنهم كونهم موجودين في وقت النزول مما ينادى عليه سوق الآية إذ إثبات الإيمان ظاهرا وأن نفيه عنهم وإثبات المخادعة ونفي الشعور وغير ذلك مما لا يصح إسناده أو سلبه من المعدوم على أن صيغة المستقبل للحال وصيغة الماضي في قوله : فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ الآية شاهد على ذلك فيكون الإخبار عاريا عن الفائدة وأما الثاني فلأن المقام مقام بيان خبثهم كما صرح به الشيخان لا بيان اختصاص المنافقين بنوع الإنسان نعم لو قيل الاختصاص وإفادته لا ينافي خبثهم لكان له وجه وأما الثالث فلأن كون المراد بالناس المسلمين بناء على أن من عداهم ليسوا بإنسان وكون المنافقين بعضا من الناس الكاملين لا يتجاسر عليه العقلاء وكونهم يعاملون معاملة المسلمين لا يفيد فإنهم داخلون في زمرة الكافرين وهذا في غاية من الشناعة حتى قيل هذا من التفسير بالرأي نعوذ باللّه من شرور أنفسنا .